السيد محمد حسين فضل الله
52
من وحي القرآن
للمبدأ ، حتى في مواقع التفاصيل الصغيرة للفساد ، ليبقى المبدأ متحركا مع التفاصيل ، حتى لا يفقد روحه ، ويبتعد عن هدفه . فَكَذَّبُوهُ لأنهم لا يريدون للرسالة أن تغير واقعهم القائم على الامتيازات الطبقية والاستغلال الاقتصادي والانحراف الروحي عن خط اللّه ، ولهذا فإن المسألة عندهم لا ترتكز على أساس القناعات الفكرية للرسالة من حيث قبولهم بها أو رفضهم لها ، بل ترتكز على أساس المصالح الذاتية التي يخضع لها الموقف وتنطلق بها الحركة . ولذلك فقد كان تكذيبهم لشعيب تكذيبا طبقيا لا فكريا ، فكان جزاؤهم من اللّه العذاب في الدنيا قبل الآخرة ، لأنهم لم يرتبطوا به وبرسله من قريب أو من بعيد . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ في ما أوقعه اللّه بهم من الزلزال الذي لا يسمح لهم بالتقاط الأنفاس ، حتى أصابهم الانهيار والاختناق من جرّاء ذلك ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي قاعدين من دون حراك ، وهو كناية عن الموت . وربما كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية ناشئة من الصيحة التي زلزلت كيانهم فأسكنت قلوبهم عن الحركة ، وذلك من خلال الآية الكريمة وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ [ هود : 94 ] لأن الصيحة المدوّية قد تكون سببا في الرجفة التي تؤدي إلى الموت . وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ كيف أوقعنا الهلاك بهم فبادوا . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ في ما أثاره في عقولهم من تحسين القبيح وتقبيح الحسن ، فلم يملكوا توازن النظرة إلى الأشياء ، وخيّل إليهم أن القوّة تعني الحق ، وأن الضعف يعني الباطل ، وأن مواقع القوّة البدنية والاقتصادية تمنح الأقوياء الحق في السيطرة على الضعفاء ، والاستكبار على الرسالة وأصحابها . وهكذا ابتعد بهم الشيطان في وسوسته وتثبيطه وكيده ومكره وحبائله ، عن اللّه وعن رسله ، في ما دعوا إليه ، وفي ما جاهدوا من